يوتيوب في مفترق طرق: كيف يتوازن الرئيس التنفيذي بين محتوى الذكاء الاصطناعي والفن البشري؟
يواجه يوتيوب تحديًا مزدوجًا مع تزايد محتوى الذكاء الاصطناعي، حيث يسعى الرئيس التنفيذي نيل موهان للحفاظ على الأصالة البشرية مع الاستفادة من هذه التقنية.
يوتيوب في مواجهة عاصفة المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي: الرهان على الروح البشرية
في خضم التحول الرقمي الهائل الذي يشهده عالم الإنترنت، يجد تطبيق يوتيوب، عملاق الفيديو العالمي، نفسه على مفترق طرق حاسم. فمع الانتشار المتزايد للمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لمنصة تضم 2.7 مليار مستخدم أن تدير هذا السيل من البيانات، مع الحفاظ على اللمسة الإنسانية التي شكلت هويتها منذ انطلاقتها؟ الرئيس التنفيذي، نيل موهان، يقود هذه المعركة الدقيقة.
**مفاجأة غير سارة.. وميزة استراتيجية**
في مقر يوتيوب بسان برونو، كاليفورنيا، لا يخفي نيل موهان دهشته من قرار OpenAI بإغلاق تطبيق Sora، الذي كان يُنظر إليه كمنتج رائد في مجال إنشاء مقاطع الفيديو بالذكاء الاصطناعي، وحظي باستثمار كبير من ديزني. يقول موهان لفوربس: "كم كنت متفاجئًا بسماع ذلك مثلكم ربما". وبينما يبدو هذا خبرًا سيئًا لمنافس، إلا أنه يمثل نعمة ليوتيوب، التي تتشابك مصائرها مع جوجل، أحد أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم. فمن جهة، يقل منافس مباشر (خاصة وأن يوتيوب شورتس أطلق ميزة مشابهة لـ Sora تسمح بإنشاء صور رمزية رقمية)، ومن جهة أخرى، يكشف عن التحديات المعقدة في إنشاء واستضافة ومشاركة مقاطع الفيديو المولّدة بالذكاء الاصطناعي.
تحدٍ بلا سابق مثيل
لم يكن يوتيوب غريبًا عن الجدل، فقد واجه اتهامات بتأجيج التطرف أو التأثير سلبًا على الصحة العقلية. لكن الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا مختلفًا جذريًا، فهو قادر على تحويل المنصة بأكملها، من طريقة إنشاء المحتوى إلى ما يستهلكه المستخدمون. يقر موهان بخطورة الموقف: "هذا تحول نموذجي عميق، وستغير التكنولوجيا بشكل كبير طريقة إنجاز الأمور".
**الذكاء الاصطناعي: سيف ذو حدين**
من ناحية، يفتح الانفجار في الذكاء الاصطناعي الباب أمام المزيد من المحتوى، وبالتالي زيادة الإيرادات لشركة تحقق 60 مليار دولار سنويًا. فالذكاء الاصطناعي يعزز قدرات المبدعين، ويخفض تكاليف الإنتاج، ويفتح آفاقًا جديدة. مقاطع الفيديو التعليمية، التي تعتبر ركيزة أساسية في يوتيوب، يمكن إنشاؤها بضغطة زر. كما يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في سرعة وكلفة إنتاج الإعلانات التي تغذي المحرك الاقتصادي للمنصة. وتشير تقديرات إلى وجود 29 مليار فيديو على المنصة، وفقًا لتقرير صادر عن شركة الأبحاث Omdia في يناير، مع تسارع النمو المدفوع بعوامل مثل الفيديو المولّد بالذكاء الاصطناعي وشعبية "شورتس".
لكن على الجانب الآخر، يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام فيض من المحتوى الرديء بكفاءة لا تصدق. خطر التزييف العميق (deepfakes) أصبح واقعًا؛ ففي العام الماضي، ولّد الذكاء الاصطناعي نسخة من الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، جينسن هوانغ، يروج لعملة مشفرة احتيالية، وحصدت مشاهدات أكثر من الحدث الفعلي. كما يواجه يوتيوب جبلًا متزايدًا من "القمامة الرقمية" (slop)، حيث قدر تقرير نوفمبر من شركة Kapwing أن أكثر من 20% من المحتوى الذي يعرضه خوارزم يوتيوب شورتس للمستخدمين الجدد كان مولّدًا بالذكاء الاصطناعي. ورغم أن يوتيوب أكد أن هذا التقرير لا يعكس بدقة ما على المنصة، إلا أن تجارب فوربس المستقلة أظهرت أن 17.5% من مقاطع يوتيوب شورتس كانت مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
> "ماذا يحدث عندما يرى شخص ما ميكي ماوس وهو يلقي سطورًا من أغنية لكندريك لامار قد لا ترغب ديزني في ربطها به؟"
**التوازن الدقيق**
إذا سمح يوتيوب بازدهار مقاطع الفيديو الرديئة المولّدة بالذكاء الاصطناعي، فقد ينفر المشاهدون. لذلك، بينما ينتشر الذكاء الاصطناعي عبر المنصة، تواجه الشركة مهمة شاقة ومعقدة: السماح للذكاء الاصطناعي بتوفير سيل المحتوى الذي يمثل شريان حياتها، مع الحفاظ على الأصالة البشرية التي جعلتها واحدة من أكثر المواقع شعبية منذ عام 2005. يقول موهان: "لا أحد يريد موجزًا مليئًا بالقمامة المولّدة بالذكاء الاصطناعي". لكن في الوقت نفسه، الهدف هو "السماح للإبداع المذهل الذي سيأتي من الذكاء الاصطناعي بالتألق".
من جانبه، يبدي أحد المديرين التنفيذيين السابقين في يوتيوب تفاؤلًا بأن المحتوى الرديء لن ينتصر: "الحقيقة هي أن الخوارزمية قوية جدًا، والمستهلكون سيصوتون بوقتهم، وسيتم تقليل أولوية المحتوى الرديء".
**الجهود المبذولة للحفاظ على الجودة**
يوتيوب في وضع دقيق، ويسعى لإرضاء جهات عديدة، بما في ذلك المبدعون واستوديوهات الموسيقى والشركات الإعلامية. وقد واجه الفنانون البشريون اعتراضات قوية على استخدام أعمالهم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. "ماذا يحدث عندما يرى شخص ما ميكي ماوس وهو يلقي سطورًا من أغنية لكندريك لامار قد لا ترغب ديزني في ربطها به؟" يتساءل المدير التنفيذي السابق.
يدرك موهان هذه الديناميكية جيدًا. ويؤكد: "يوتيوب شركة تواجه الصناعة الإبداعية كل يوم... وأعتقد أن هذا يمنحنا وجهة نظر فريدة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي وتأثيره على الإبداع". ويضيف: "قلب يوتيوب سيبقى دائمًا بشريًا".
**الحل: وضع العلامات والرقابة**
منذ بدايته في عام 2005، كان يوتيوب مشروعًا بشريًا بامتياز، وبلغ عدد المستخدمين 2.7 مليار مستخدم، ليصبح ثاني أكثر المواقع زيارة في العالم بعد جوجل نفسها.
أحد الحلول الرئيسية التي يطرحها يوتيوب لمشكلة المحتوى الرديء المولّد بالذكاء الاصطناعي هو وضع العلامات. فكثير من المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي واقعي لدرجة أن المشاهد العادي قد لا يدرك أنه ليس حقيقيًا. ولذلك، أعلنت يوتيوب عن خاصية جديدة تضع علامة بارزة على "مقاطع الفيديو المعدلة أو المولّدة بالذكاء الاصطناعي بشكل كبير"، باستخدام أدوات داخلية للكشف عنها حتى لو لم يكشف عنها المنشئ.
كما يتعين على المنصة فرض رقابة صارمة على حقوق النشر والمحتوى الضار، وهو تحدٍ مألوف. ففي عام 2017، واجه قسم "يوتيوب كيدز" انتقادات شديدة بسبب تسرب محتوى مزعج. والذكاء الاصطناعي يسهل إنشاء مثل هذه الفيديوهات بشكل أسرع وأسهل.
**تبني التقنية لدعم الإبداع**
مع كل رغبة في الحفاظ على الروح البشرية للموقع، يواصل يوتيوب طرح ميزات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. أطلقت الشركة زر "اسأل" (Ask) في مشغل الفيديو، والذي يسمح للمستخدمين بطرح أسئلة حول الفيديو. كما تم إطلاق أداة بحث جديدة تتيح للمستخدمين العثور على مقاطع الفيديو كما لو كانوا يوجهون نموذجًا لغويًا.
لكن ميزة الصور الرمزية المولّدة بالذكاء الاصطناعي (AI avatar)، المماثلة لأداة Sora، لديها القدرة على تغيير روح يوتيوب بشكل أعمق. تم إطلاق هذه الميزة في أبريل كجزء من YouTube Shorts، وتسمح للمستخدمين بإنشاء نسخ رقمية من أنفسهم لتظهر في مقاطع فيديو مولّدة بالذكاء الاصطناعي، مثل الفوز بالسوبر بول، أو المشي على القمر، أو عزف الموسيقى.

