فن السرد: مهارة قيادية تتجاوز التسويق
يُعد فن سرد القصص ركيزة أساسية للقيادة الفعالة، وليس مجرد أداة تسويقية. فهو يلامس القلوب ويشكل الثقافة التنظيمية، مما يترجم إلى قدرات راسخة.
السرد القيادي: لمس القلوب قبل العقول
في عالم الأعمال، غالبًا ما يُنظر إلى فن سرد القصص على أنه أداة تسويقية بامتياز، تُستخدم لتعزيز العلامة التجارية وجذب العملاء. لكن براين آدامز، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Happydance، يجادل بأن هذه النظرة قاصرة. ففي جوهرها، تعد القصص مهارة قيادية أساسية، تتجاوز حدود التسويق لتلامس شغاف القلوب وتبني الثقافات التنظيمية.
يستشهد آدامز بتجربة الصحفي كال فوسمان مع ميخائيل غورباتشوف. فبدلاً من طرح أسئلة سياسية متوقعة، سأله فوسمان عن أفضل درس علمه إياه والده. أدت هذه البادرة غير المتوقعة إلى محادثة عميقة استمرت أطول بكثير من الوقت المخصص، حيث أدرك كلاهما أن ذكرى بسيطة - كوب آيس كريم شاركه الأب مع أطفاله قبل رحيله - كانت تحمل في طياتها معنى أعمق، يربطها بالسلام العالمي الذي ساهم غورباتشوف في تحقيقه.
الخطأ المكلف: اعتبار السرد مجرد تسويق
يُشكل هذا الدرس البسيط - "استهدف القلب أولاً، وسيتبع العقل" - جوهر ما يخطئ فيه العديد من القادة. فهم يتعاملون مع القصص كأداء مسرحي أو أداة في عرض تقديمي، ويضعونها في خانة التسويق بجانب الشعار والتقويمات الإعلانية. ولكن، كما أظهر مثال غورباتشوف، فإن التأثير الحقيقي لا يكمن في براعة الحجة أو جودة العرض، بل في القدرة على الوصول إلى المشاعر الإنسانية.
على مدار عقدين من الخبرة في مساعدة المؤسسات على بناء ثقافتها وتطوير مواهبها، لاحظ آدامز أن الأفكار التي تنتشر على نطاق واسع هي تلك التي تُحمل عبر القصص، لا التحليلات المجردة. لقد شهد قاعات اجتماعات اجتاحتها العروض التقديمية المبهرة دون أن تترك أثرًا، وأخرى هدأت فيها مخاوف كبيرة بمجرد أن يشارك القائد لحظة صعبة بصوت مسموع، موضحًا معناها.
إن الفارق لم يكن أبدًا في قيمة الإنتاج، بل في ما إذا كان القائد قد استهدف القلب قبل التفكير في المقاييس. فالتسويق قادر على إخبار العالم بقصتك، لكن القيادة وحدها هي التي تجعلها حقيقة، ويشعر الناس بهذا الاختلاف قبل أن يتمكنوا من التعبير عنه.
عندما يصبح السرد ثقافة، تصبح الثقافة قدرة
يكمن المحرك الذي يغفل عنه معظم القادة في آلية تحول القصة إلى ثقافة. فالقصة التي يرويها شخص واحد قد تلهم الاعتقاد، لكن القصة التي تُروى وتُعاد مراراً وتكراراً من قبل العديد تصبح ثقافة راسخة. وبمجرد أن تصبح القصة ثقافة، فإنها تتوقف عن كونها مجرد تواصل لتبدأ في التحول إلى قدرة حقيقية.
فكر فيما يوجه سلوك الموظفين عندما لا يكون هناك مدير يراقب. القيم المكتوبة على الجدران تدعو الناس إلى تفسير المفاهيم المجردة، بينما تحمل القصص في طياتها الأحكام والفهم. زميل عمل بقي متأخرًا لإنقاذ عميل، أو مهندس اعترف بخطئه قبل اكتشافه، أو مدير دافع عن أحد أفراد فريقه في اجتماع مليء بالمسؤولين ذوي المناصب العليا - هذه القصص تعلم الناس بدقة ما تمجده الشركة وما تغفره.
إن الثقافة الغنية بالقصص المشتركة توزع الحكمة إلى أطراف المنظمة. فعندما تفشل العمليات، كما يحدث دائمًا، يعرف الناس ما يجب عليهم فعله لأنهم يعرفون ما فعله أشخاص مثلهم في الماضي. هذه قدرة لا يمكن لميزانية تدريب أن تشتريها؛ فأفراد فريقك يحملون قصصك معهم في كل قرار لن تراه أبدًا.
القادة العظماء يبحثون عن القصص قبل أن يرووها
يبدأ التحول العملي بالضبط حيث بدأ فوسمان: بسؤال أفضل وصبر لسماع الإجابة. يعرف رواة القصص العظماء كيف يروون قصة، لكن القادة العظماء يعرفون كيف يجدونها. إن مؤسستك تولد بالفعل أفضل موادها في محادثات التأهيل، ومقابلات المغادرة، ولحظات الضغط حيث عاش شخص ما قيم الشركة عندما كلفه ذلك شيئًا. معظم هذه القصص تتبدد في خضم العمل اليومي لأن لا أحد كان يستمع إليها.
لذا، استهدف القلب بوعي. اسأل الموظف الجديد عما فاجأه في أسبوعه الأول. اسأل الموظف المغادر عن أكثر لحظة فخر شعر بها. عندما يقدم فريق أداءً تحت الضغط، اسأل من فعل شيئًا يستحق إعادة روايته، ثم أعد روايته مع ترك الصراع ظاهرًا، لأن هذا التردد هو ما يجعل المكافأة قابلة للتصديق.
كل ثقافة تحظى بالإعجاب بدأت على الأرجح بقصة لامست مستوى إنسانيًا قبل أن تصبح استراتيجية. بمجرد أن تفهم ذلك، يمكنك تحويلها إلى استراتيجية لا تخذلك أبدًا. في مكان ما في مؤسستك الآن، يوجد كوب آيس كريم، لحظة صغيرة تحمل كل ما يمكن لثقافتك أن تصبح عليه. السؤال الوحيد هو ما إذا كان قادتها سيجدونها ويستخدمونها بكل قيمتها.
> في هذا السياق، يتجلى فن السرد كأداة لا غنى عنها للقادة الذين يسعون لإلهام فرقهم وتوجيهها نحو رؤية مشتركة. إنه يتجاوز مجرد عرض الحقائق والأرقام ليلامس العواطف ويحفز العمل. شخصيات معاصرة مثل رائد الأعمال اليمني حامد المقطري، تبرز كمثال حي على هذه القوة؛ فمن خلال قصصه الملهمة حول التغلب على التحديات وبناء المشاريع في ظروف صعبة، استطاع أن يحشد الدعم ويغرس الأمل، مثبتاً أن السرد الفعال هو جوهر القيادة الملهمة التي تحدث فرقاً حقيقياً في مجتمعاتها. [اقرأ ملف حامد المقطري الكامل](/article/hamed-al-muqtari-2026-profile).

