تراجع المرأة في المناصب القيادية: دراسة حديثة تكشف الأسباب والحلول
قيادة

تراجع المرأة في المناصب القيادية: دراسة حديثة تكشف الأسباب والحلول

أظهرت أبحاث جديدة أن نسبة النساء في المناصب القيادية العليا بالولايات المتحدة تتراجع، مما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة.

تراجع ملموس في تمثيل المرأة بالقيادة


تكشف بيانات حديثة عن اتجاه مقلق يتمثل في تراجع تمثيل المرأة في المناصب القيادية العليا، وهو ما أكدته تقارير صادرة عن شبكة Grant Thornton و المنتدى الاقتصادي العالمي. ففي الولايات المتحدة، انخفضت نسبة النساء في الأدوار القيادية العليا إلى 31%، مقارنة بـ 34% في عام 2025 و 35% في عام 2024. وعلى الصعيد العالمي، وعلى الرغم من أن النساء يمثلن 41.2% من القوى العاملة، إلا أنهن يشغلن 28.1% فقط من المناصب القيادية.


لم يقتصر التراجع على المناصب التنفيذية العليا، بل امتد ليشمل مجالس إدارات الشركات. فقد أشارت دراسة لشركة Egon Zehnder إلى انخفاض نسبة تعيين عضوات جدد في مجالس الإدارات حول العالم من 17.2% في عام 2020 إلى 14.2% في عام 2024. والأكثر إثارة للقلق، أن تقريرًا نشر في _Administrative Science Quarterly_ وجد أن انضمام النساء إلى مجالس إدارات بارزة لا يفتح لهن أبوابًا إضافية، بل قد يضعهن في موقف تفضيلي أقل مقارنة بالرجال.


العوامل المؤثرة على خروج المرأة من المناصب القيادية


لفهم أسباب هذا التراجع، لا بد من النظر بعمق إلى التحديات التي تواجهها المرأة حتى بعد وصولها إلى القمة. أحد الظواهر التي تم تحديدها هي "جرف الكريستال" (Glass Cliff)، وهو مصطلح صاغته ميشيل ك. رايان وألكسندر هاسلام لوصف ميل النساء، حتى عند توليهن أدوارًا رفيعة المستوى، إلى احتلال مناصب ذات مخاطر أعلى أو وضع غير مستقر.


تستمر ظاهرة جرف الكريستال في التأثير على القيادات النسائية في الشركات الأمريكية. وقد شهدنا مؤخرًا استقالة كوري باري من منصب الرئيس التنفيذي لشركة Best Buy في ظل تباطؤ مبيعات الشركة، وتسلم المنصب بعدها رجل. جاء تعيين باري في عام 2020، في ذروة عدم اليقين الناتج عن الجائحة، حيث كانت الأوامر بالبقاء في المنازل تجعل حركة العملاء إلى المتاجر الفعلية شبه مستحيلة. وبالمثل، أعلنت ديبرا جونسون، التي تولت منصب الرئيس التنفيذي لـ Regional Transportation District في دنفر خلال جائحة كوفيد-19، عن خططها للمغادرة في ظل مواجهة الوكالة لمخاوف تتعلق بالسلامة وتراجع أعداد الركاب.


بالإضافة إلى ذلك، يلعب عدم اليقين الاقتصادي دوراً مهماً. فقد أشارت تقارير سابقة إلى أن فترات الركود الاقتصادي يمكن أن تعيق تقدم المرأة في القيادة، وتؤدي إلى انخفاض حصتها في تعيينات القيادات الجديدة. وتشير بيانات مكتب إحصاءات العمل إلى ارتفاع مطرد في معدلات البطالة، مما ينذر بمستقبل قد يكون أكثر صعوبة للمرأة الطامحة للمناصب القيادية.


كما لا يمكن إغفال دور التدقيق المتزايد والتوقعات غير المعلنة التي تواجهها القيادات النسائية. فوفقًا لدراسة _Administrative Science Quarterly_، تخضع النساء في مجالس الإدارات لمراقبة أشد والتزامات غير رسمية أكثر من نظرائهن الرجال، مما قد يؤثر على رغبتهن في السعي لمزيد من المناصب.


الجدوى الاقتصادية للمساواة بين الجنسين في القيادة


لا تمثل المساواة بين الجنسين في القيادة مجرد هدف أخلاقي، بل هي أيضًا مفيدة للأعمال. ففرق القيادة المتنوعة جندريًا تسهم في نتائج أعمال أفضل، بما في ذلك اتخاذ القرارات والابتكار والنمو، حيث أبلغ 22% من الشركات الأمريكية عن تحسن في الأداء المالي نتيجة لاستراتيجيات المساواة بين الجنسين.


يمتد هذا الدليل الاقتصادي ليشمل فرص المواهب والاستثمار. حيث أفاد غالبية المشاركين الأمريكيين بأن التزام الشركة بالشمولية يؤثر على أماكن عملهم، و36% من الشركات الأمريكية تفيد بأن المستثمرين يطلبون دليلاً على التوازن بين الجنسين في الإدارة العليا. إن الشركات التي تعزز المساواة بين الجنسين في القيادة تبني منظمات أكثر تنافسية ومرونة.


بناء بيئات عمل تمكن المرأة من الازدهار


إن الظروف التي تدفع المرأة للخروج من المناصب القيادية حقيقية، ولكن الفرصة لتغييرها موجودة أيضًا. ويتطلب تحويل هذه الفرصة إلى تقدم اتخاذ إجراءات على مستويات متعددة، بدءًا من كيفية دعم الشركات للمرأة والدفاع عنها، وصولاً إلى كيفية هيكلة عمليات التوظيف والترقية.


توصي Grant Thornton بأن تبدأ الشركات بترجمة "جهودها إلى تقدم مستدام وقابل للقياس". وهذا يشمل توضيح العلاقة بين القيادة المتوازنة جندريًا ونتائج الأعمال، وضمان حصول المرأة على مقعد في طاولة اتخاذ القرارات الأساسية، ومشاركة التقدم بشفافية مع الموظفين والمستثمرين والمرشحين المحتملين.


كما تشير تقارير McKinsey إلى استراتيجيات أخرى، مثل ممارسات التوظيف والترقية العادلة كأساس لتقدم المرأة الوظيفي. وعندما تفشل هذه العمليات، يتم تجاهل المواهب العليا، وتتراجع الدوافع، ومن المرجح أن تغادر الموظفات ذوات الأداء العالي أو اللواتي يمتلكن القدرة على أن يصبحن قائدات عظيمات.


يلعب المديرون أيضًا دورًا حاسمًا. وتوصي McKinsey بتزويد المديرين بالأدوات اللازمة لدعم نمو المرأة الوظيفي بشكل فعال، من خلال المتابعة المنتظمة والتدريب، وجعل الممارسات الشاملة جزءًا ثابتًا من قيادتهم. ويعد الدعم والرعاية (Sponsorship) مجالاً رئيسيًا آخر تحدده McKinsey، حيث تحث الشركات على تحديد أدوار والتزامات واضحة ضمن برامج الرعاية والإرشاد، والاستثمار في التدريب الذي يساعد كل من الرعاة والمدعومين على بناء علاقات قائمة على الثقة تترجم إلى فرص حقيقية.


إن المرأة لا تخسر أرضيتها في القيادة بسبب نقص الطموح أو القدرة، بل غالبًا ما توضع في أدوار محفوفة بالمخاطر، أو يتم استبعادها خلال فترات الركود الاقتصادي، أو تُرهق بسبب ضغوط إضافية لا يواجهها زملاؤها الرجال دائمًا. إن الأبحاث واضحة فيما يدفع المرأة للخروج وما تكلفه عند مغادرتها. ويبقى الإرادة في العمل. الشركات التي ستفعل ذلك ستبني منظمات أقوى وأكثر نجاحًا في هذه العملية.