أخطاء القيادة التي تقوّض الثقة بصمت: كيف يمكن إصلاحها؟
يكشف خبير القيادة كوري شير عن الأخطاء الشائعة التي تتسبب في تآكل الثقة داخل المؤسسات، مؤكداً أن بناء الثقة مسؤولية تكتيكية وليست مجرد امتياز ثقافي.
الثقة: أساس الأداء المستدام
يُكثر القادة من ترديد أهمية الثقة، لكن قليلين منهم يديرونها بنفس الصرامة المطبقة على الأداء المالي أو رضا العملاء. وفقًا لخبير القيادة وباحثها كوري شير، مؤلف كتاب "إغلاق فجوة الثقة" (Closing the Trust Gap)، فإن هذه الثقة، رغم اعتبارها فضيلة غير ملموسة، هي في الواقع ركيزة قابلة للقياس والتنمية تدعم الأداء المؤسسي المستدام.
يشير شير إلى أن العديد من المؤسسات تقع في خطأ جسيم بتحويل الثقة من ضرورة تشغيلية إلى مجرد امتياز ثقافي. يعتبرها مسؤولية تكتيكية يتعين على كل قائد تحملها، لا سيما وأن غيابها يؤدي إلى تآكل الولاء والابتكار والاحتفاظ بالموظفين، مما ينعكس سلباً على الإيرادات والنمو.
قياس الثقة وتقويتها
يرفض شير النظرة السائدة للثقة كمفهوم غامض، مؤكداً أنها قابلة للقياس والتعزيز. يعرف "فجوة الثقة" بأنها المسافة بين الوضع الحالي للمؤسسة وطموحاتها المستقبلية. ويرى أن المشكلة تكمن في أن العديد من المؤسسات تأمل في تحقيق الثقة تلقائياً إذا كانت نتائج الأعمال قوية، بدلاً من إدارتها بشكل استباقي. يشدد على ضرورة وجود لغة مشتركة وإطار عمل مثبت لإدارة الثقة، وأنها ليست مجرد مسؤولية قسم أو لجنة، بل هي مسؤولية كل قائد.
إهمال الاهتمام بالموظفين
يكشف بحث شير أن المؤسسات غالباً ما تتفوق في مكافأة الكفاءة وحل المشكلات، لكنها تهمل عنصراً ثالثاً لا يقل أهمية: الاهتمام الحقيقي بالأفراد. بينما يقيّم نصف الموظفين قادتهم بدرجات عالية في إظهار الاهتمام، فإن هذا الجانب هو الأصعب في التظاهر والأسهل في الإهمال. في المقابل، تتم مكافأة الكفاءة وحل المشكلات بشكل دائم نظراً لكون نتائجهما أكثر وضوحاً وسهولة في القياس.
ويحذر شير من أن الاهتمام يتطلب سلوكيات قد تتعارض مع وتيرة العمل المتسارعة، مثل التباطؤ، والاستماع دون أجندة، وتقدير الشخص ككل، خاصة في ظل الضغوط لزيادة الإنتاجية. يؤكد أن الاهتمام ليس مجرد سمة شخصية، بل يمكن بل ويجب بناؤه من خلال سلوكيات محددة وقابلة للتعلم، وأنها ممارسة وليست مجرد مبدأ.
عواقب تآكل الثقة
تنخفض ولاءات الموظفين وتأييدهم بنسبة 66% عند اختفاء الثقة، وهو رقم يقلل الكثير من القادة من شأنه لاعتبارهم الثقة قضية متعلقة بالموارد البشرية فقط. يوضح شير أن الولاء، والتأييد، وأخلاقيات العمل، والاحتفاظ بالموظفين هي روافع أساسية للإيرادات والتوظيف والنمو، وأن كل هذه العوامل تنهار بغياب الثقة. الثقة ليست شيئاً منفصلاً عن الأداء، بل هي وقوده.
الخلط بين الامتثال والثقة
يقع العديد من القادة في فخ الخلط بين الامتثال والثقة. يظهر الموظفون في العمل، يمتثلون للأوامر، ويتبعون الألقاب، مما يفسره القادة دليلاً على وجود الثقة. لكن الامتثال وحده لا يعني الثقة.
الخطايا المميتة لغياب الثقة
يصوّر شير صحة المؤسسة بصورتين متناقضتين: الرمز البيولوجي الخطير حيث تنفصل الدوائر الممثلة للأشخاص، والسياسات، والغرض، أو كدائرة فن متداخلة بوعي. الفرق يكمن في الالتزام بخلق الاتصال. حتى الشركات عالية الأداء ليست محصنة ضد تآكل الثقة؛ وغالباً ما تقع ضحية "الخطايا المميتة لغياب الثقة"، وأبرزها التمسك بالوضع الراهن.
عندما يؤدي النجاح إلى الراحة، تتحول الراحة ببطء إلى قناعة بأن "هذه ببساطة هي الطريقة التي نفعل بها الأشياء". لكن الصحيح أن أكثر المؤسسات صحة تنظر إلى نجاحها باعتباره الشيء الأكثر حاجة إلى التحسين المستمر.
التمييز بين الاستقرار والجمود
الدفاع عن الوضع الراهن يصبح خطيراً عندما يتطور إلى تحصين. التمييز بين تكريم ما ينجح والسعي وراء ما هو قادم يتطلب العناصر الثلاثة لبناء الثقة: الكفاءة للحكم على ما يخدمك، وحل المشكلات لمعرفة متى لم يعد يخدمك، والاهتمام لتوجيه الناس خلال التغيير الضروري.
التعيينات الخاطئة والسمية القاتلة
يعتبر شير أن قرارات التوظيف السيئة هي إحدى أسرع الطرق لتقويض الثقة. الموظف غير المناسب ليس مجرد شخص يفتقر للمهارات التقنية، بل هو شخص في المقعد الخطأ. الضرر الأكبر يأتي لاحقاً عندما يراقب الزملاء القيادة وهي تتسامح مع عدم الملاءمة، ويتساءلون بصمت عن سبب عدم اتخاذ أي إجراء. هذه الصمت هو ما يوسع الفجوة ويعلم الفريق بأكمله ما هي الأمور التي تقبلها القيادة.
تحذير شير الأقوى يتعلق بما يسميه "السمية القاتلة"، والتي تحدث عندما يتوقف انعدام الثقة عن كونه نتيجة ثانوية ويصبح سلاحاً يُستخدم عن قصد. غالباً ما تتغاضى المؤسسات عن علامات الإنذار المبكر إذا كان الشخص المسيء يحقق نتائج أعمال قوية. لكن النتائج لا تبرر أبداً انعدام الثقة المسلح.
نحو خارطة طريق للثقة
بدلاً من الاعتماد على استبيانات المشاركة فقط، يشجع شير المؤسسات على إجراء تقييمات حقيقية للثقة لتحديد *لماذا* يشعر الناس بما يشعرون به، وليس فقط *كيف* يشعرون. ومن هناك، يجب على القادة بناء ما يسميه "خارطة طريق للثقة" (Trust Blueprint)، مما يجعل بناء الثقة أمراً مقصوداً مثل التخطيط الاستراتيجي.
ختاماً، تؤكد رسالة شير أن الاستراتيجية والابتكار والتنفيذ لا يمكن أن تصل إلى إمكاناتها الكاملة بدون الثقة. المؤسسات لا تحقق أداءً مستداماً بافتراض وجود الثقة، بل ببنائها ومعاملتها كعنصر قابل للقياس والعمل ولا غنى عنه.

