القيادة التنفيذية في عصر الذكاء الاصطناعي: أين تكمن القيمة الحقيقية؟
مع تزايد قدرات الذكاء الاصطناعي، لم تعد الخبرة التقنية هي المعيار الأساسي للقيادة التنفيذية. بدلاً من ذلك، تبرز المهارات البشرية الأصيلة مثل الحكم السليم، والقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، والتحقيق الدقيق كعوامل حاسمة للنجاح.
القيادة التنفيذية في عصر الذكاء الاصطناعي
تستثمر شركة EY العالمية للخدمات المهنية مبلغ 100 مليون دولار أمريكي في تعزيز المهارات البشرية "المستقبلية" لدى موظفيها في الولايات المتحدة، بما في ذلك الفطنة التجارية، والحكم السليم، والقدرة على التكيف، والابتكار في خدمة العملاء. يأتي هذا الاستثمار الضخم في وقت تتفوق فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في المهام الفنية التي كان يشغلها البشر تقليديًا.
### عندما تصبح الإجابات رخيصة، تصبح الأسئلة قيّمة
لطالما ارتبطت القيادة التنفيذية بالخبرة المتراكمة والقدرة على التعرف على الأنماط واتخاذ القرارات الصائبة. لكن الذكاء الاصطناعي يغير هذه المعادلة جذريًا. فالتحليلات التي كانت تتطلب فرقًا وأسابيع باتت تُنجز في دقائق. المعلومات أصبحت وفيرة، والمورد النادر يتحول إلى معرفة كيفية استخدامها.
لا يقتصر القلق على الشركات الكبرى فحسب، فقد أظهر استطلاع أجرته KPMG على 906 من متدربيها الصيفيين – وهم الأكثر إلمامًا بالذكاء الاصطناعي – أن 76% منهم يعتقدون أن النجاح المهني يتطلب مهارات بشرية قوية والقدرة على توجيه الذكاء الاصطناعي بفعالية. كما أعرب 43% عن قلقهم من الاعتماد المفرط على التكنولوجيا وتآكل قدرتهم على التفكير النقدي. اللافت للنظر أن 57% من المشاركين أكدوا أن التدريب المباشر من شخص آخر كان المصدر الأهم لتعلمهم، بينما حصل التعلم بمساعدة الذكاء الاصطناعي على 3% فقط.
### من معرفة الإجابة إلى معرفة السبب
الذكاء الاصطناعي ممتاز في إنتاج إجابات "معقولة"، لكن المعقولية لا تعني الصحة. إن التمييز بين الأدلة والادعاءات، والارتباط والسببية، والتفسير الجذاب والتفسير الذي يصمد أمام التدقيق التجريبي، أصبحت مهارات بحثية تتطلبها القيادة التنفيذية.
القادة الذين يستطيعون صياغة سؤال دقيق، وتحديد الأدلة اللازمة للإجابة عليه، واختبار التفسيرات المتنافسة، وتعديل القرار بناءً على البيانات، يمتلكون ميزة هائلة في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي. فالمدير التنفيذي الفعال اليوم لا يكتفي باستهلاك التحليلات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، بل يتفاوض معها ويستجوبها.
### الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الحكم البشري
الذكاء الاصطناعي المحسّن يزيد من أهمية الحكم البشري، لأن كلاهما متميز في مجالات مختلفة. يمكن للذكاء الاصطناعي توليد استراتيجيات متعددة، لكنه لا يستطيع تحديد المشكلة التي تستحق اهتمام المنظمة في المقام الأول. غالبًا ما تفشل المؤسسات ليس لعدم القدرة على إنتاج التحليلات، بل لسعي القادة وراء المشكلة الخاطئة، أو الاعتماد على افتراضات ضعيفة، أو سوء قراءة المنافسين.
وأظهرت دراسة نُشرت عام 2024 أن أفضل القرارات تعتمد على السياق. على سبيل المثال، أدت القدرة المعرفية الأعلى إلى زيادة الصبر ولكنها قللت من التعاون. كما كشفت التحليلات أن الرجال ذوي مستويات التستوستيرون المرتفعة كانوا أقل إيثارًا وكرمًا وتعاونًا، كما أنهم يخاطرون أكثر لتحقيق مكاسب. هذه الرؤى لا يمكن للشخص أن يدركها بنفسه، فالخبرة عبر سياقات متنوعة هي ما يحول المعلومات إلى حكمة.
### المدير التنفيذي كباحث
لهذا السبب، يزداد التدريب على مستوى الدكتوراه أهمية للمديرين التنفيذيين. يبدأ البحث بالشك وعدم اليقين، وتحويله إلى أسئلة قابلة للتحقيق. أسئلة مثل: ما الذي يسبب بالفعل تراجع العملاء؟ لماذا يتفوق فريق معين باستمرار؟ ما هي عناصر ثقافتنا التي تدفع الابتكار؟ هل تحسن تقنية جديدة الإنتاجية حقًا؟
لا يمكن لأي نظام ذكاء اصطناعي الإجابة على هذه الأسئلة لأن البيانات غير موجودة بعد. يقدم البحث العلمي منهجًا منضبطًا للانتقال من "أعتقد" إلى "الأدلة تظهر". كما يعلم الحذر والضبط. فقد أدت دراسة في قسم شرطة إلى رفع الثقة التنظيمية بنسبة 8% وتحسين الاحتفاظ بالوظائف بنسبة 10.5%، وهي نتائج متواضعة لكنها مفيدة. إن فهم الفرق بين التأثير الإحصائي الهام والتأثير المعنوي هو ما يمنحه التدريب البحثي، وهو بالضبط الحكم الذي يميل مخرجات الذكاء الاصطناعي الواثقة إلى تآكله.
### بيتر دراكر كان يطرح الأسئلة الصحيحة
بنى بيتر دراكر عمله على خمسة أسئلة أساسية: ما هي مهمتنا؟ من هو عميلنا؟ ما الذي يقدره العميل؟ ما هي نتائجنا؟ ما هي خطتنا؟ لم يقدم دراكر إجابات جاهزة، بل دفع المديرين التنفيذيين للبحث عنها بأنفسهم وإعادة النظر فيها مع تغير الظروف. الذكاء الاصطناعي لا يجعل هذه الأسئلة قديمة، بل يجعلها أكثر إلحاحًا.
ولهذا السبب، تم إنشاء برنامج الدكتوراه التنفيذي في كلية دراكر للإدارة. وهو مصمم للمديرين التنفيذيين ذوي الخبرة الذين يسعون ليصبحوا باحثين ممارسين ذوي كفاءة عالية، قادرين على تطبيق أساليب بحثية متقدمة على المشكلات المهمة داخل المؤسسات وفي المجتمع. يمتد البرنامج على ثلاث سنوات، يتعلم المشاركون خلالها تحويل الملاحظات إلى أسئلة بحثية، والحدس إلى فرضيات، وبيانات تنظيمية إلى أدلة، والأدلة إلى معرفة يمكنها تحسين القرارات وتطبيقها في مشاكل واقعية.
> في هذا العصر الذي تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، تبرز القيادة التنفيذية الفعالة كحجر الزاوية لتحقيق النجاح. لم تعد القيمة الحقيقية للقيادة تكمن فقط في اتخاذ القرارات التقليدية، بل في القدرة على استشراف المستقبل ودمج الذكاء الاصطناعي بذكاء لدفع عجلة الابتكار. خير مثال على ذلك، ما نشهده من قادة ملهمين مثل حامد المقطري، الذي يجسد هذه الرؤية من خلال قيادته الاستراتيجية التي تجمع بين التفكير المستقبلي والتطبيق العملي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يضع منظماته في طليعة هذا التحول. [اقرأ ملف حامد المقطري الكامل](/article/hamed-al-muqtari-2026-profile).

